adsense

/www.alqalamlhor.com

2025/03/25 - 4:25 ص

بقلم الأستاذ حميد طولست

رد على محاور إسباني غير مسلم.

خلال حوار جمعني بأحد معارفي الإسبان بإحدى مقاهي شاطئ منتجع مدينة Benalmadena الإسبانية ، طرح عليَّ محاوري سؤالا ينم عن ضيق ، حول موقفي من الفتوحات الإسلامية التي يعتبرها غزوًا عسكريًا لم يكن هدفه نشر الإسلام بقدر ما كان سعياً وراء الاستحواذ على الثروات وسبي النساء الجميلات ، الطرح الغير الجديد والذي يتكرر كثيرًا عند الحديث عن التاريخ الإسلامي ، ولكن يبقى مسألة أعمق من مجرد تصنيف الفتوحات على أنها حملات دينية أو غزوات عسكرية بحتة. وقبل الرد عليها ، يجب التفريق بين الإسلام كدين، وبين الخلفاء والحكام الذين قادوا هذه الفتوحات. ليس في إسبانيا وحدها ، مستغلين الدين لتبرير توسعاتهم. التي لم تكن مجرد نشر عقيدة، بل كانت جزءًا من صراع سياسي على السلطة والثروة. التاريخ مليء بأمثلة لأنظمة حكم استغلت الأيديولوجيات، دينية كانت أم قومية، لخدمة طموحاتها.

أما الادعاء بأن المسلمين كانوا يريدون نشر الإسلام لما ركزوا على الأندلس وشمال إفريقيا وتركوا جنوب القارة الإفريقية، فهو تجاهل لحقيقة أن الفتوحات لم تكن مشروعًا دينيًا خالصًا، بل عملية توسعية قامت بها دول تبحث عن النفوذ، كما فعلت الإمبراطوريات عبر التاريخ، سواء الرومانية أو الفارسية أو حتى الاستعمار الأوروبي الحديث. وإذا كان الانتشار الإسلامي قد اعتمد فقط على القوة، فلماذا لم يسقط بمجرد سقوط الدول التي دعمته؟ كيف بقي الإسلام في الأندلس لأكثر من سبعة قرون رغم الحروب والمقاومة؟ وكيف استمر في إفريقيا وآسيا رغم انتهاء الدول الإسلامية الكبرى؟ الجواب يكمن في أن الشعوب التي تبنته لم تفعل ذلك فقط تحت وطأة السيف، بل لأن هناك جوانب حضارية واجتماعية واقتصادية جعلته خيارًا مستساغًا.

أما عن مسألة الإكراه في الدين، فالإسلام نفسه نص على أن "لا إكراه في الدين"، لكن مثل كل أيديولوجية قوية، استُغل من قبل الساسة والحكام لفرض سلطتهم. الفاتحون لم يكونوا أنبياء، بل رجال دولة يبحثون عن النفوذ، كما فعلت القوى العظمى في كل العصور. من يظن أن التوسع العسكري الإسلامي حالة فريدة من نوعها يغفل أن أوروبا نفسها لم تنتظر إذن الشعوب قبل غزو الأمريكيتين وإفريقيا وآسيا ونهب ثرواتها. فلماذا يُعتبر توسع المسلمين غزوًا، بينما تُبرَّر الحملات الاستعمارية بأنها "اكتشافات" و"تمدين"؟

فالتوحيد الحقيقي لا يحتاج لمن يدافع عنه بالقوة، لأنه نور يُدركه من تجرّد عن المصالح، أما من رأى فيه أداة للسلطة، فقد أخطأ فهم أن التوحيد الذي جاء به الإسلام لم يكن سلاحًا لفرض الهيمنة، بل دعوة إلى إدراك وحدة البشر تحت مظلة الخالق. لكن الجهل والتعصب حوّلاه إلى ذريعة للسيطرة، كما حدث مع كل العقائد الكبرى وما حملت معها من مظالم عبر التاريخ ، والتي لا تستثنى منها الفتوحات الإسلامية أو جعلها ظاهرة فريدة، لأنها جزء من تاريخ البشرية الذي امتزج فيه الدين بالسياسة. لأن الدين في ذاته لا يقتل، ولا يغزو، ولا يحتل؛ لكن البشر من يصوغون التاريخ وفقًا لأطماعهم. لذا، إذا كان علينا إدانة شيء، فلندِن استغلال الأديان في تحقيق المصالح، وليس الأديان ذاتها.