بديهي أن الإيمان الحقيقي الصادق الذي وضعه
القرآن مقابل الفسق ، ومقابل الشرك ، ومقابل السوء ، ومقابل الإجرام ، ومقابل إتباع
الهوى ، ومقابل المعصية والاستكبار والإفساد ، ليس هو مجرد التصديق بالتمني والإقرار
الشفوي بعقيدة معينة، ولا يثبت بالمظاهر والتحلي
باللباس القصير ولا يتجلى في إطالة اللحى وتغميق سواد زبيبة الصلاة
على الجباه ، وإنما هو ما وقر في القلب وصدقه الفعل قولا وعملا ، أي قول باللسان
واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان ،كما يقول الفقهاء، وهو ذاك الذي يمنّ به الله على عباده الصالحين ،
ويربط نفسوهم بسموه وجلاله ، ويميّزهم عن غيرهم من أهل الفسق والفجور ببهاء الطلعة،
وحسن الطليعة ، وجمال الخلقة ، ونضارة الوجوه ، مصداقا لقوله سبحانه : "وجوه يومئذ
ناضرة"، وقوله :"وجوه يومئذ ناعمة" وقوله: "تعرف في وجوههم نضرة
النعيم" ، فكلما صح الإيمان وصدق ، تجسد
في السلوك و تجلى في الجوارح ، وظهرت آثار نعمته على الوجوه ، وترجمته المبادئ
والمعتقدات إلى أقوال وأعمال وسعي واجتهاد ، وكان له الصدى الطيب على القلوب ، والأثر
البالغ على المشاعر ، وصدق من قال :
"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " ولعاش بحق روحانية الإيمان ، وتجسدت
صديقته في سلوكه ورق قلبه وارتقى بإنسانيته ، ولم يبقى كعبادة الغالبية العظمى وصلاتهم
، مجرد ركوع وسجود فقط ، كما أشار إلى ذلك عمر ابن الخطاب: " لا تنظروا إلى صيام
أحدكم ولا إلى صلاته ، ولكن انظروا إلى صدق حديثه إذا حدّث ، وأمانته إذا أأتمن ، وورعه
إذا أشفى ، فما أكثر المنافقين الذين يخفون نفاقهم وراء صلاتهم وصيامهم و لحاهم ولباسهم
الذي يظهرون به أتقياء، ولا شك في إن أكثر المجتمعات تدينا و التي تدعي : بأنّ سبب فساد الأخلاق هو نقص الدين " ، هي الأكثر فسادا في الإدارة ، والأكثر
إرتشاء في القضاء، والأكثر كذبا في السياسة، والأكثر هدرا للحقوق، والأكثر فسقا والأكثر
تحرّشا بالنساء، والأكثر اعتداء على حقوق الأطفال.
فصدق الإيمان وحقيقته ، ليس بالمغالاة في
مظاهر التدين ، التي يستطيع ممارستها أيا كان حتى لو كان كافرا وملحدا ، لأنه وكما
يقال ، ليس المهم هو صلاتك وصيامك ، لأن كل ذلك يهم الذي خلقك ، لكن المهم ، هو أفعالك
وتعاملك مع أمثالك ، فلا تتحدث لناس عن دينك ، ودعهم يرون أثره في سلوكك وأخلاقك وتعاملاتك
، فسلوكك الخارجي يعكس ما بداخلك ، سلبا أو إيجابا ، والالتزام بأحكام الدين ، والتخلق
بآدابه ، يكون بالعمل الخالي من المعاصي والإسراف في الاستكبار والإجرام في حق الغير.
وليس العمل المقبول الذي يدخل الجنة ونعيمها
ويمكن من ملكوت الخلود ، هو اعتقاد كل منا
بأن ما يؤمن به من دين هو الأصل والأصح و الأصلح على الإطلاق لكل زمان ومكان ، وهو
الحق كل الحق ، وهو الحقيقة المطلقة بلا أدنى ذره شك ، فقط ، دون العمل الذي يبني الإنسان
ويأخذ بيده ليرقى في الحياة ، وإنما الذي يدخل الجنة هو كل عمل صالح له صدا وأثرا طيبا
على البشرية، بما يقدم للناس من خدمات تجسد رقة القلوب وإنسانيها ، لقوله تعالى :
"وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم
خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" ، صدق الله العظيم."