adsense

/www.alqalamlhor.com

2025/02/16 - 1:50 م


بقلم الأستاذ حميد طولست

في خضم اندماجي الكامل في جمالية عروض براعم مدرسة أحفادي بمناسبة عيد الحب، كنت غارقًا في إكسير فرحتهم الكبرى، مستمتعًا بحلاوة ضحكاتهم العميقة اللامحدودة. كان المشهد مفعمًا بالحياة، ينضح بالسعادة والبراءة، حتى وجدت نفسي فجأة خارج هذه الأجواء الساحرة، بسبب لكزة قوية أعادتني إلى واقع مختلف تمامًا.

التفتُ لأجد نفسي أمام شخص تبدو على وجهه علامات التجهُّم، وقد رسمت ملامحه مزيجًا من الامتعاض والرفض. لم يترك لي مجالًا للاستفسار أو الترحيب، بل باغتني مباشرةً بصوت عالٍ: "هل أعجبك هذا المسخ الذي يلقنونه لأطفالنا؟ هل يعقل أن نحتفل بعيد الحب المخالف لتعاليم ديننا الإسلامي؟"

كنت أعلم أن الدخول في هذه المعركة الفكرية لن يكون هينًا، لكنها كانت ضرورية. فمثل هذه الأسئلة غالبًا ما تصدر من عقول مغلقة، ترى في كل جديد تهديدًا، وتعيش حالة من الانفصال عن الواقع، مستندة إلى بطولات لفظية تخفي وراءها عقدًا نفسية عميقة ناتجة عن الفشل في النهوض والتقدم.

نظرت إليه بثبات وقلت: "وما الذي يلقنونه لهم أيها الفاضل؟ ما يُغرس في نفوس الأطفال هنا لا يحمل إساءة للإسلام، ولا طعنًا في النبي صلى الله عليه وسلم، ولا انتقاصًا من أي رمز من رموز التاريخ الإسلامي. بل هو تعليم لقيم الحب المستمدة من صفات الله عز وجل، الذي إذا سلمنا له قلوبنا، جعلها أرضًا خصبة للجمال، تتلاقى فيها كل رياح الإنسانية، فتبدد الكراهية والأنانية التي زرعها الجهل في أرواحنا."

لم أكن بحاجة لإثبات أن الحب قيمة إنسانية كبرى، وأن المجتمعات التي تعترف به وتحتفل به ليست بالضرورة مجتمعات منحلة أو بعيدة عن الدين، كما يدعي رهطك في الضفة الأخرى،  فالحب هو جوهر كل الأديان، والأساس الذي يُبنى عليه السمو الأخلاقي والتعايش السلمي بين البشر. إن ما يتم تدريسه للأطفال هو السمو في الأخلاق، والتعامل الراقي، والاحتفاء بالمحبة كقيمة إنسانية ترفع من شأن المجتمع، لا أن تقوده إلى الضياع كما يظن البعض.

وإن كان ثمة مثال على الحاجة إلى التغيير الفكري، فإن التجربة السعودية خير دليل. ففي الثمانينات، صُرفت مليارات الدولارات في محاولة تغطية شعر النساء، وتم تخويف المجتمعات القاحلة بأن سبب الجفاف هو ظهور خصلات شعر البنات. أما اليوم، وبعد أن درست أجيال كاملة للدراسة في أرقى الجامعات الغربية، وأدركوا أن الجفاف ليس له علاقة بشعر النساء، وإلا لكانت واسبانيا التي نتواجد بها تعاني من التصحر رغم أن نساءها لا يغطين رؤوسهن وحتى أفخادهن.

إن مشكلة المجتمعات المتخلفة ليست في الاحتفال بعيد الحب أو أي مناسبة أخرى، بل في العقلية التي تُصر على ربط كل شيء بالماضي دون إدراك أن التقدم لا يتحقق إلا بالانفتاح على قيم الإنسانية العالمية. ليست العبرة في رفض الآخر لمجرد الاختلاف، بل في كيفية التعايش معه دون فرض وصاية فكرية عقيمة.

ختامًا، لن يكون عيد الحب خطرًا على الإسلام، بل سيظل الحب قيمة راقية تليق بالإنسانية. والتحدي الحقيقي ليس في محاربته، بل في تجاوز الصراعات الفكرية العقيمة، والعمل على بناء مجتمعات ترتقي بالحب والتسامح والعلم، لا بالكراهية والرفض والانغلاق.