-عبدالإله
الوزاني التهامي
استبدل في الأعوام الأخيرة موعد أمسية
الأربعاء بيوم الجمعة، حيث تبتدأ عقب صلاة العصر مباشرة مراسيم الحفل التقليدي
بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تتخلل هذه السويعات أمداح وأناشيد رائعة تترك الأثر
العميق في قلوب السامعين، مريدين وزوارا.
ويتصدر مجلس الزاوية كالعادة الشيخ
الوارث سر أبيه سيدي الغالي الحراق الساهر المباشر على تربية المريدين وتنشيط
أجواء الحفل، ويتم في نفس اللحظات تقديم الولاء والطاعة لهذا الشيخ بتقبيل يديه
وكتفيه والإنصات لنصائحه وتوجيهاته.
ويخبرنا سيدي التهامي من خلال
«الزاوية» عن جوانب متعددة من حياته، منها أنه قدر له أن يعيش حالة الاحتلال
الإسباني لمدينة تطاون مرتين، وذلك من خلال جدته التي حدثته عن تفاصيل أهوال
اجتياح الجيوش الإسبانية للمدينة سنة 1860، وما صاحب ذلك من اضطراب هائل من شدة
خشية الناس على دينهم وفزعهم من النصرانية.
ثم يحدثنا كذلك في نفس المرجع عن
الاحتلال الثاني الذي وقع سنة 1913، إن سيدي التهامي عاش هذه الأحداث بالرواية
والسماع وبالتجربة والمعايشة وهو ابن العاشرة في آن واحد.
حدثنا الوزاني في مذكراته عن شعوره
بالعجز إزاء هذه المحنة التي حلت بأهل الشمال، نظرا لصغر سنه، ذاكراً ما عاناه وهو
يلامس حزن جدته من جراء ذلك.
كما يحدثنا عن بعض عادات التطاونيين
فيما يخص أوقات فراغهم واستراحتهم، وكيف يقضون أعز فصول السنة بوادي مرتيل، الذي
كان بحق متنفسا لأهل تطاون -قبل تلوثه بيولوجيا وأخلاقيا-، يقيمون فيه حصة من
الزمن يشمون الهواء الطلق ويسبحون في البحر»، فيضربون الخيام والقباب «حتى كأن
الناس في سوق من أسواق الجاهلية أو موسم من مواسم الحج".
وجرت عادة التطاونيين -قبل اختلال
الموازين بعامل ظاهرة الهجرة المتخلفة- أن يجعلوا من مرتين مكانا للخلوة ومرتعا
للاستمتاع بالراحة، مع مراعاة الأخلاق والآداب العامة، ولهذا السبب قصده الوزاني
وخاصة أثناء مقاومته لأزمته النفسية حيث اتخذ من قبة فخمة كانت للمرحوم "أحمد
الركينة" منزلا له، وفي ليلة من
الليالي «ذهب أصحابنا إلى شاطئ البحر وبقيت منفردا في الخيمة -يقول الوزاني- فأقبل ابن البشير الريسوني، وقد
اعتراه حاله الذي كنا نعرف أنه عندما يعتريه لم يكن يقابل أحداً ولا يكلم أحدا ولا
يخرج إلى الناس، اللهم إلا أقل القليل ممن يحبهم ويحبونه».
وقد أدى بهما هذا الانفراد إلى سجال
عميق ونقاش حاد، صرح فيه الريسوني للوزاني بأن الشيخ الكتاني «سنده منقطع في طريق
القوم» هذا الحكم سيزيد من حيرة الوزاني ليفضي إلى استقطابه من قبل الزاوية
الحراقية.
نستنتج من هذه الحكاية أن أهل تطاون
كانوا يقصدون مرتيل لأنها توفر لهم جوا مناسبا للخلوة من أجل الذكر والتعبد
والتفكر والتزكية، كما يتخذونها فضاء مهما للمطارحة الفكرية والمناقشات الجادة، كل
هذا مع الاستمتاع بالراحة والاستجمام.
توفي سيدي التهامي يوم 22 ديسمبر 1972
بتطوان، واتخذ أبناؤه وأحفاده من بيته قبراً له، تلبية لرغبته، وذلك بدرب شرفاء
وزان- زنقة المقدم، وبهذه المناسبة نناشد
المهتمين بحياة أمثال سيدي التهامي، بضرورة البحث في مساهمات هذا الرجل في مجالات
العلم المختلفة منها مجال الفكر والتصوف
والتربية والتعليم، كما أطالبهم بالبحث أكثر عن شواهد شفاهية جديدة لتقصي
المزيد من الحقائق انطلاقا من أفواه وذاكرة من عايشوه من العلماء والمشايخ إمثال
مؤرخ مملكتنا الشريفة الشيخ الشريف مولاي علي الريسوني، كما أطالبهم بوجوب دراسة
إبداعاته الفنية واستقراء العديد من رسوماته المنسية بين صفحات مخطوطاته المختلفة،
ثم أطالبهم بضرورة اعتماد التحليل النفسي السيكولوجي لمعرفة شخصية التهامي الوزاني
وتقلبها وتنقلها في مختلف ضروب الثقافة والفكر.
وآمل ألا تقتصر هذه المجهودات على
مؤسسة تحمل
اسم صاحب الترجمة فقط -إن كتب لها
الاستمرار أصلا-، بل يجب أن يتحملها كل غيور على تاريخ وتراث الشمال والمملكة
الشريفة، من أجل ألا تضيع وتحرم الأجيال الحالية والقادمة على الصعيد المحلي
والوطني عامة من النهل من ينابيع حبر هذا الوطني وأخلاقه ونبوغه، في شتى ضروب
الفكر والمعرفة.
وقد صدق الباحث سعيد أعراب رحمه الله
لما قال: «أتمنى أن يجتمع في الإنسان اثنان لسان المكي الناصري وقلم سيدي التهامي
الوزاني».
نكون قد أبخسنا حق التهامي الوزاني، إن
اقتصرنا في الاحتفاء به بتسمية شارع أو مدرسة أو مدرج بكلية باسمه، كما هو الشأن
في مدينة تطوان، وأغفلنا الاهتمام الجاد بمؤلفات الرجل ومخطوطاته النفيسة والبكر
وسيرته الغنية.
ونختم بحثنا المنشور هنا على هذا المنبر المحترم بما ختم به
امحمد عزيمان مقاله المعنون بـ «تطوان والتصوف من الشيخ عبد القادر التبين إلى
الشيخ سيدي التهامي الوزاني، قائلا:
وأختم كلمتي بهذه التصلية المباركة
لسيدي التهامي الوزاني وفيها روح الصلاة المشيشية، لتجمع بين حلقات التصوف في
تطوان ونواحيها من شيخ جبل العلم -يقصد مولاي عبد السلام بن مشيش- إلى صاحب
الزاوية، وهي: ("اللهم صل على من عرفته حقيقة السجود فكان العبد الأول، وفتحت
له أبواب خزائن رحمتك فوقف ضارعا خاضعا يوم اعتقلت ألسن المرسلين والصديقين،
وأنطقته بما علمته فكان مطيعا لتبليغ أمانتك في لباس الضارع المبتهل لأنك الكريم
الذي تلقن
الهالك حجتك حتى يرجوك اليائسون فصل
اللهم عليه بما خلعته عليه من واسع فضلك. ومن علينا المن اللآئق بعظمتك وجلالك،
فإن أوزارنا لا أكبر منها إلا فضلك، ولا ناجي من غضبك إلا من حملته على أرائك
جودك.
اللهم اعط عبادك حتى يروا من واسع ملكك
ما يحملهم على الحياء أن يثبتوا معك غيرك، فإنك من ورائهم محيط برحمتك يا أرحم
الراحمين يا رب العالمين").
(انتهى)
-إلى حين إعداد سلسلة تراجم شخصيات
سياسية وعلمية وفكرية وازنة، ضمنهم من قضى نحبه، وآخرون لا يزالون على قيد الحياة.
--المراجع المعتمدة في البحث:
-جريدة الريف عدد 13-2001.
-مجلة "المريد" عدد9.
-كتاب "الزاوية" التهامي الوزاني، مطبعة الريف 1942 تطوان ج1.
-كتاب "الذات والسيرة"،
عبدالقادر الشاوي.
-كتاب "الحركة العلمية والثقافية
بتطوان من الحماية إلى الاستقلال 1912- 1956"، إدريس خليفة، الجزء الثاني،
1994.
-كتاب "التهامي الوزاني في ذكراه
الأربعين".
-مصادر شفاهية من تطوان ووادراس
وغمارة.